غزة / أحمد حمدي:
كشفت الساعات الأولى لفتح معبر رفح، أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول جاهدًا تحويله من بوابة عبور إنسانية إلى أداة ضغط سياسية، تُدار بالمماطلة والاشتراطات، وتُفرغ من طابعها السيادي الفلسطيني.
فبعد نحو عامين من الإغلاق الكامل إثر الإبادة التي ارتكبها الاحتلال بحق قطاع غزة، شهد معبر رفح، الاثنين الماضي، الثاني من فبراير/شباط، بداية تشغيل جزئي ومقيّد، وذلك ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
لكن سير العمل المحدود في آلية عمل المعبر تشي بأنه بات ممرًا إسرائيليًا لمراقبة الفلسطينيين، وحاجز تفتيش غير معلن، تتحكم فيه اعتبارات أمنية وعقابية، وتُستخدم فيه الحركة الإنسانية كورقة ابتزاز وتمهيد صامت لسياسات أوسع، أخطرها التهجير القسري المقنّع.
وأفادت مصادر إعلامية فلسطينية أن العائدين إلى قطاع غزة عبر المعبر، تعرضوا إلى عمليات تنكيل وابتزاز متعمد على أيدي قوات الاحتلال، مؤكدة أن ما يجري للعائدين ليس إجراءات عبور، بل انتهاكات ممنهجة تستهدف تقليل أعداد الراغبين بالعودة إلى القطاع.
استمرار المعاناة الانسانية
بدوره، يؤكد الباحث والمحلل السياسي عماد أبو عواد، أن القيود والاشتراطات التي يتبعها الاحتلال الإسرائيلي في معبر رفح هي ضمن سياسته الاستراتيجية الأوسع في عدم إنهاء الحرب واستمرار المعاناة الإنسانية داخل القطاع المحاصر.
وقال أبو عواد في حديثه لـ"الاستقلال": "الاحتلال يحاول تبديد آمال الفلسطينيين بأن يكون هناك انفراجة من خلال عملية فتح المعبر، وإرسال رسائل للداخل الإسرائيلي المقبل على انتخابات بأنه يسيطر كليًا على زمام الأمور في غزة".
وأوضح أبو عواد، أن خطوة فتح المعبر هي مجرد مجاملة إسرائيلية للإدارة الأمريكية، وفي حقيقتها أنها لن تغيير من واقع غزة المنهك أي شيء.
ولفت الباحث في الشأن الفلسطيني إلى أن الاحتلال بهذه الممارسات يرسخ استراتيجيته القائمة على أن الحرب ما زالت مستمرة، وأن سياسة التهجير قائمة، وأنه لا إعادة إعمار للقطاع المدمر.
وبيّن أبو عواد أن الاحتلال استطاع فرض شروطه في مسألة فتح المعبر والتحكم بمن يدخل ومن يخرج وفق المزاج الإسرائيلي، وبالتالي نسف مبدأ السيادة الفلسطينية على المعبر.
الأخطر من ذلك برأي أبو عواد أن الاحتلال يلوح بإجراءات عقابية لكل من يفكر بالعودة إلى غزة، وبالتالي جزء من هؤلاء العائدين ربما لن يعود خشية الاعتقال أو القتل أو الإذلال الشديد.
أما فيما يتعلق بالدور الذي منحه الاحتلال للميليشيات في عبور المسافرين، فقد شدد أبو عواد على أنه يأتي في إطار تحمل أعباء عن الجيش وخلق فوضى في واقع الغزيين، والتنغيص عليهم لإرضاء الاحتلال.
وبين أبو عواد النوايا الإسرائيلية من التضييق على المسافرين بدون مبررات أمنية حقيقية، إنما وفق المنظور الذي يهدف إلى "حسم القضية"، وهو ما يعني عمليًا الخلاص من السكان.
ويرى أبو عواد، أن السيناريوهات التي تحكم عمل المعبر شائكة ومعقدة على المدى المنظور، قائلاً: "المعبر سيبقى يعمل بهذه الآلية فترة ليست قليلة من الزمن، لكن في المدى المتوسط والبعيد سيكون هناك حلول جذرية تؤدي للتخفيف من السيطرة الإسرائيلية والتحكم بآلية العمل على المعبر".
ورغم كل ذلك، اعتبر أبو عواد خطوة فتح المعبر بالأساس مهمة في حلحلة هذا الملف، على اعتبار أن الواقع كان أكثر سوءًا قبل أربعة أشهر.
إدارة للتهجير
من جانبه، يؤكد الكاتب والمختص في الشأن الفلسطيني سعيد أبو رحمة، أن الاحتلال عمل منذ اليوم الأول للحرب على جعل المعبر أداة للتهجير، وكان يعول على خروج الفلسطينيين من غزة دون عودة، لكنه تفاجأ بأعداد الراغبين للرجوع للقطاع وضرب مشروع التهجير برمته.
وقال أبو رحمه في حديثه لـ"الاستقلال": "كان يفترض تشغيل المعبر منذ التهدئة السابقة، لكن الاحتلال ماطل في تنفيذ هذا الاستحقاق الإنساني، وكان معني بقتل أي بصيص أمل للفلسطينيين".
ولفت أبو رحمة إلى أن البعض راهن على سياسة الاحتلال في تقويض كل مقومات الحياة في القطاع للدفع بالفلسطينيين للهجرة، لكن ذلك لم يتم وبالتالي جاءت هذه الإجراءات الإسرائيلية المجحفة كعقاب جماعي.
وحول سياسة الإذلال للفلسطينيين، شدد الكاتب على أنها رسالة تخويف إسرائيلية أن كل من يريد العودة للقطاع، سيكون مصيره إما السجن أو التحقيق أو الإذلال.
واعتبر أبو رحمة أن دور الوسطاء والاتحاد الأوروبي مهم في مراقبة سلوك الاحتلال، ووقف هذه السياسة بإعادة إنتاج الحصار بأشكال أخرى، وزيادة أعداد المسافرين وفق حجم الاحتياج الفعلي للسفر، موضحاً أن الاحتلال أراد من هذه الممارسات الفاشية على المعبر إظهار أنه صاحب اليد العليا في القطاع، وبالتالي رفض السيادة الفلسطينية على المعبر.
ولفت أبو رحمة إلى أن مجمل القيود على المعبر تقرأ في سياق رسالة الحكومة الإسرائيلية للداخل بأنها لن توافق على إقامة الدولة الفلسطينية، خاصة بعد اتهامها بأنها ربما تسمح بقيامها بعد قرار فتح المعبر.
في ختام حديثه، أعرب أبو رحمة عن أمله في أن تمارس الدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار ضغطًا على الاحتلال لإبقاء معبر رفح بطابعه الإنساني وليس لتطبيع الإذلال أو تحويل الحركة الإنسانية إلى أداة سياسية.
وما بين آمال الغزيين في أن يشكل المعبر بارقة أمل وشريان حياة، يُصر الاحتلال الإسرائيلي على إبقاءه أداة للضغط والاعتقال والابتزاز بدل تسهيل المرور الإنساني.
معبر رفح.. من بوابة عبور إنسانية إلى أداة إذلال وتهجير بطيء
تقارير وحوارات


التعليقات : 0